حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


memo_sose@yahoo.com

ابو عبيده عامر بن الجراح

01
مارس
2008
assassin — @ 11:19

أبو عبيدة بن الجرّاح - أمين هذه الأمة

من هذا الذي أمسك الرسول بيمينه وقال عنه:

" ان لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح"..؟

من هذا الذي أرسله النبي في غزوة ذات السلاسل مددا اعمرو بن العاص، وجعله أميرا على جيش فيه أبو بكر وعمر..؟؟

من هذا الصحابي الذي كان أول من لقب بأمير الأمراء..؟؟

من هذا الطويل القامة النحيف الجسم، المعروق الوجه، الخفيف اللحية، الأثرم، ساقط الثنيتين..؟؟

أجل من هذا القوي الأمين الذي قال عنه عمر بن الخطاب وهو يجود بأنفاسه:

" لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيا لاستخلفته فان سالني ربي عنه قلت: استخافت أمين الله، وأمين رسوله"..؟؟

انه أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجرّاح..
أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأيام الأولى للاسلام، قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار الرقم، وهاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد منها ليقف الى جوار رسوله في بدر، وأحد، وبقيّة المشاهد جميعها، ثم ليواصل سيره القوي الأمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في صحبة خليفته أبي بكر، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر، نابذا الدنيا وراء ظهره مستقبلا تبعات دينه في زهد، وتقوى، وصمود وأمانة.

عندما بايع أبو عبيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن ينفق حياته في سبيل الله، كان مدركا تمام الادراك ما تعنيه هذه الكلمات الثلاث، في سبيل الله وكان على أتم استعداد لأن يعطي هذا السبيل كل ما يتطلبه من بذل وتضحية..
ومنذ بسط يمينه مبايعا رسوله، وهو لا يرى في نفسه، وفي ايّامه وفي حياته كلها سوى أمانة استودعها الله اياها لينفقها في سبيله وفي مرضاته، فلا يجري وراء حظ من حظوظ نفسه.. ولا تصرفه عن سبيل الله رغبة ولا رهبة..

ولما وفّى أبو عبيدة بالعهد الذي وفى به بقية الأصحاب، رأى الرسول في مسلك ضميره، ومسلك حياته ما جعله أهلا لهذا اللقب الكريم الذي أفاءه عليه،وأهداه اليه، فقال عليه الصلاة والسلام:

" أمين هذه الأمة، أبو عبيدة بن الجرّاح".

ان أمانة أبي عبيدة على مسؤولياته، لهي أبرز خصاله.. فففي غزوة أحد أحسّ من سير المعركة حرص المشركين، لا على احراز النصر في الحرب، بل قبل ذلك ودون ذلك، على اغتيال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فاتفق مع نفسه على أن يظل مكانه في المعركة قريبا من مكان الرسول..

ومضى يضرب بسيفه الأمين مثله، في جيش الوثنية الذي جاء باغيا وعاديا يريد أن يطفئ نور الله..

وكلما استدرجته ضرورات القتال وظروف المعركة بعيدا عن رسول الله صلى اله عليه وسلم قاتل وعيناه لا تسيران في اتجاه ضرباته.. بل هما متجهتان دوما الى حيث يقف الرسول صلى الله عليه وسلم ويقاتل، ترقبانه في حرص وقلق..

وكلما تراءى لأبي عبيدة خطر يقترب من النبي صلى الله عليه وسلم، انخلع من موقفه البعيد وقطع الأرض وثبا حيث يدحض أعداء الله ويردّهم على أعقابهم قبل أن ينالوا من الرسول منالا..!!

وفي احدى جولاته تلك، وقد بلغ القتال ذروة ضراوته أحاط بأبي عبيدة طائفة من المشركين، وكانت عيناه كعادتهما تحدّقان كعيني الصقر في موقع رسول الله، وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه اذ رأى سهما ينطلق من يد مشرك فيصيب النبي، وعمل سيفه في الذين يحيطون به وكأنه مائة سيف، حتى فرّقهم عنه، وطار صواب رسول الله فرأى الدم الزكي يسيل على وجهه، ورأى الرسول الأمين يمسح الدم بيمينه وهو يقول:

" كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم، وهو يدعهم الى ربهم"..؟

ورأى حلقتين من حلق المغفر الذي يضعه الرسول فوق رأسه قد دخانا في وجنتي النبي، فلم يطق صبرا.. واقترب يقبض بثناياه على حلقة منهما حتى نزعها من وجنة الرسول، فسقطت ثنيّة، ثم نزع الحلقة الأخرى، فسقطت ثنيّة الثانية..

وما أجمل أن نترك الحديث لأبي بكر الصدسق يصف لنا هذا المشهد بكلماته:

" لما كان يوم أحد، ورمي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا، فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى اذا توافينا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيّة احدى حلقتي المغفر، فنزعها، وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه..

ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنية أخرى فسقطت.. فكان أبو عبيدة في الناس أثرم."!!

وأيام اتسعت مسؤوليات الصحابة وعظمت، كان أبو عبيدة في مستواها دوما بصدقه وبأمانته..

فاذا أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخبط أميرا على ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المقاتلين وليس معهم زاد سوى جراب تمر.. والمهمة صعبة، والسفر بعيد، استقبل ابو عبيدة واجبه في تفان وغبطة، وراح هو وجنوده يقطعون الأرض، وزاد كل واحد منهم طوال اليوم حفنة تملا، حتى اذا أوشك التمر أن ينتهي، يهبط نصيب كل واحد الى تمرة في اليوم.. حتى اذا فرغ التمر جميعا راحوا يتصيّدون الخبط، أي ورق الشجر بقسيّهم، فيسحقونه ويشربون عليه الامء.. ومن اجل هذا سميت هذه الغزوة بغزوة الخبط..

لقد مضوا لا يبالون بجوع ولا حرمان، ولا يعنيهم الا أن ينجزوا مع أميرهم القوي الأمين المهمة الجليلة التي اختارهم رسول الله لها..!!

لقد أحب الرسول عليه الصلاة والسلام أمين الأمة أبا عبيدة كثيرا.. وآثره كثيرا...

ويوم جاء وفد نجلاان من اليمن مسلمين، وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والاسلام، قال لهم رسول الله:

" لأبعثن معكم رجلا أمينا، حق أمين، حق أمين.. حق أمين"..!!

وسمع الصحابة هذا الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنى كل منهم لو يكون هو الذي يقع اختيار الرسول عليه، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه..

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

" ما أحببت الامارة قط، حبّي اياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت الى الظهر مهجّرا، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، سلم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني..

فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: أخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه.. فذهب بها أبا عبيدة؟..!!

ان هذه الواقعة لا تعني طبعا أن أبا عبيدة كان وحده دون بقية الأصحاب موضع ثقة الرسول وتقديره..

انما تعني أنه كان واحدا من الذين ظفروا بهذه الثقة الغالية، وهذا التقدير الكريم..

ثم كان الواحد أو الوحيد الذي تسمح ظروف العمل والدعوة يومئذ بغيابه عن المدينة، وخروجه في تلك المهمة التي تهيئه مزاياه لانجازها..

وكما عاش أبو عبيدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أمينا، عاش بعد وفاة الرسول أمينا.. بحمل مسؤولياته في أمانة تكفي أهل الأرض لو اغترفوا منها جميعا..

ولقد سار تحت راية الاسلام أنذى سارت، جنديّا، كأنه بفضله وباقدامه الأمير.. وأميرا، كأن بتواضعه وباخلاصه واحدا من عامة المقاتلين..

وعندما كان خالد بن الوليد.. يقود جيوش الاسلام في احدى المعارك الفاصلة الكبرى.. واستهل أمير المؤمنين عمر عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد..

لم يكد أبا عبيدة يستقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد، حتى استكتمه الخبر، وكتمه هو في نفسه طاويا عليه صدر زاهد، فطن، أمين.. حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم..

وآنئذ، تقدّم اليه في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين!!

ويسأله خالد:

" يرحمك الله يا أبا عبيدة.ز ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب"..؟؟

فيجيبه أمين الأمة:

" اني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله اخوة".!!!

ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام، ويصير تحت امرته أكثر جيوش الاسلام طولا وعرضا.. عتادا وعددا..

فما كنت تحسبه حين تراه الا واحدا من المقاتلين.. وفردا عاديا من المسلمين..

وحين ترامى الى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء هذا.. جمعهم وقام فيهم خطيبا..

فانظروا ماذا قال للذين رآهم يفتنون بقوته، وعظمته، وأ/انته..

" يا أيها الناس..

اني مسلم من قريش..

وما منكم من أحد، أحمر، ولا أسود، يفضلني بتقوى الا وددت أني في اهابه"..ّّ

حيّاك الله يا أبا عبيدة..

وحيّا الله دينا أنجبك ورسولا علمك..

مسلم من قريش، لا أقل ولا أكثر.

الدين: الاسلام..

والقبيلة: قريش.

هذه لا غير هويته..

أما هو كأمير الأمراء، وقائد لأكثر جيوش الاسلام عددا، وأشدّها بأسا، وأعظمها فوزا..

أما هو كحاكم لبلاد الشام،أمره مطاع ومشيئته نافذة..

كل ذلك ومثله معه، لا ينال من انتباهه لفتة، وليس له في تقديره حساب.. أي حساب..!!

ويزور أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشام، ويسأل مستقبليه:

أين أخي..؟

فيقولون من..؟

فيجيبهم: أبو عبيدة بن الجراح.

ويأتي أبو عبيدة، فيعانقه أمير المؤمنين عمر.. ثم يصحبه الى داره، فلا يجد فيها من الأثاث شيئا.. لا يجد الا سيفه، وترسه ورحله..

ويسأله عمر وهو يبتسم:

" ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس"..؟

فيجيبه أبو عبيدة:

" يا أمير المؤمنين، هذا يبلّغني المقيل"..!!

وذات يوم، وأمير المؤمنين عمر الفاروق يعالج في المدينة شؤن عالمه المسلم الواسع، جاءه الناعي، أن قد مات أبو عبيدة..

وأسبل الفاروق جفنيه على عينين غصّتا بالدموع..

وغاض الدمع، ففتح عينيه في استسلام..

ورحّم على صاحبه، واستعاد ذكرياته معه رضي الله عنه في حنان صابر..

وأعاد مقالته عنه:

" لو كنت متمنيّا، ما تمنيّت الا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة"..

ومات أمين الأمة فوق الأرض التي طهرها من وثنية الفرس، واضطهاد الرومان..

زهناك اليوم تحت ثرى الأردن يثوي رفات نبيل، كان مستقرا لروح خير، ونفس مطمئنة..

وسواء عليه، وعليك، أن يكون قبره اليوم معروف أو غير معروف..

فانك اذا أردت أن تبلغه لن تكون بحاجة الى من يقودك اليه..

ذلك أن عبير رفاته، سيدلك عليه..!!

ابو ذر الغفاري

01
مارس
2008
assassin — @ 11:18

أبو ذر الغفاري

أقبل على مكة نشوان مغتبطا..
صحيح أن وعثاء السفر وفيح الصحراء قد وقذاه بالضنى والألم, بيد أن الغاية التي يسعى اليها, أنسته جراحه, وأفاضت على روحه الحبور والبشور.
ودخلها متنكرا, كأنه واحد من أولئك الذين يقصدونها ليطوّفوا بآلهة الكعبة العظام.. أو كأنه عابر سبيل ضل طريقه, أو طال به السفر والارتحال فأوى اليها يستريح ويتزوّد.
فلو علم أهل مكة أنه جاء يبحث عن محمد صلى الله عليه وسلم, ويستمع اليه لفتكوا به.
وهو لا يرى بأسا في أن يفتكوا به, ولكن بعد أن يقابل الرجل الي قطع الفيافي ليراه, وبعد أن يؤمن به, ان اقتنع بصدقه واطمأن لدعوته..
ولقد مضى يتسمّع الأنباء من بعيد, وكلما سمع قوما يتحدثون عن محمد اقترب منهم في حذر, حتى جمع من نثارات الحديث هنا وهناك ما دله على محمد, وعلى المكان الذي يستطيع أن يراه فيه.
في صبيحة يوم ذهب الى هناك, فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم جالاسا وحده, فاقترب منه وقال: نعمت صباحا يا أخا العرب..
فأجاب السول عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام يا أخاه.
قال أبو ذر:أنشدني مما تقول..
فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام: ما هو بشعر فأنشدك, ولكنه قرآن كريم.
قال أ[و ذر: اقرأ عليّ..
فقرأ عليه الرسول, وأ[و ذر يصغي.. ولم يمضي من الوقت غير قليل حتى هتف أبو ذر:
"أشهد أن لا اله الا الله.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"!
وسأله النبي: ممن أنت يا أخا العرب..؟
فأجابه أبو ذر: من غفار..
وتألقت ابتسامة على فم السول صلى الله عليه وسلم, واكتسى وجهه الدهشة والعجب..
وضحك أبو ذر كذلك, فهو يعرف سر العجب الذي كسا وجه الرسول عليه السلام حين علم أن هذا الذي يجهر بالاسلام أمامه انما هو رجل من غفار..!!
فغفار هذه قبيلة لا يدرك لها شأو في قطع الطريق..!!
وأهلها مضرب الأمثال في السطو غير المشروع.. انهم حلفاء الليل والظلام, والويل لمن يسلمه الليل الى واحد من قبيلة غفار.
أفيجيء منهم اليوم, والاسلام لا يزال دينا غصّا مستخفيا, واحد ليسلم..؟!

يقول أبو ذر وهو يروي القصة بنفسه:
".. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرفع بصره ويصوّبه تعجبا, لما كان من غفار, ثم قال: ان الله يهدي من يشاء.
ولقد كان أبو ذر رضي الله عنه أحد الذين شاء لهم الهدى, وأراد بهم الخير.
وانه لذو بصر بالحق, فقد روي عنه أنه أحد الذين شاء الله لهم الهدى, وأراد بهم الخير.
وانه لذو بصر بالحق, فقد روي عنه أنه أحد الذين كلنوا يتألهون في الجاهلية, أي يتمرّدون على عبادة الأصنام, ويذهبون الى الايمان باله خالق عظيم. وهكذا ما كاد يسمع بظهور نبي يسفّه عبادة الأصناك وعبّادها, ويدعو الى عبادة الله الواحد القهار, حتى حث اليه الخطى, وشدّ الرحال.

**

أسلم أبو ذر من فوره..
وكان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس..
اذن, هو قد أسلم في الأيام الأولى, بل الساعات الأولى للاسلام, وكان اسلامه مبكرا..
وحين أسلم كلن الرسول يهمس بالدعوة همسا.. يهمس بها الى نفسه, والى الخمسة الذين آمنوا معه, ولم يكن أمام أبي ذر الا أن يحمل ايمانه بين جنبيه, ويتسلل به مغادرا مكة, وعائدا الى قومه...
ولكن أبا ذر, جندب بن جنادة, يحمل طبيعة فوارة جيّاشة.
لقد خلق ليتمرّد على الباطل أنى يكون.. وها هو ذا يرى الباطل بعينيه.. حجارة مرصوصة, ميلاد عابديها أقدم من ميلادها, تنحني أمامها الجباه والعقول, ويناديها الناس: لبيك.. لبيك..!!
وصحيح أنه رأى الرسول يؤثر لهمس في أيامه تلك.. ولكن لا بدّ من صيحة يصيحها هذا الثائر الجليل قبل أن يرحل.
لقد توجه الى الرسول عليه الصلاة والسلام فور اسلامه بهذا السؤال:
يا رسول الله, بم تأمرني..؟
فأجابه الرسول: ترجع الى قومك حتى يبلغك أمري..
فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد..!!
ألم أقل لكم..؟؟
تلك طبيعة متمرّدة جيّاشة, أفي اللحظة التي يكشف فيها أبو ذر عالما جديدا بأسره يتمثل في الرسول الذي آمن به, وفي الدعوة التي سمع بتباشيرها على لسانه.. أفي هذه اللحظة يراد له أن يرجع الى أهله صامتا.؟
هذا أمر فوق طاقته..
هنالك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته:
[أشهد أن لا اله الا الله.. وأشهد أن محمدا رسول الله]...

كانت هذه الصيحة أول صيحة بالاسلام تحدّت كبرياء قريش وقرعت أسماعها.. صاحها رجل غريب ليس له في مكّة حسب ولا نسب ولا حمى..
ولقد لقي ما لم يكن يغيب عن فطنته أنه ملاقيه.. فقد أحاط به المشركون وضربوه حتى صرعوه..
وترامى النبأ الى العباس عم النبي, فجاء يسعى, وما استطاع أن ينقذه من بين أنيابهم الا بالحيلة لذكية, قال له:
"يا معشر قريش, أنتم تجار, وطريقكم على غفار,, وهذا رجل من رجالها, ان يحرّض قومه عليكم, يقطعوا على قوافلكم الطريق".. فثابوا الى رشدهم وتركوه.
ولكن أبا ذر, وقد ذاق حلاوة الأذى في سبيل الله, لا يريد أن يغادر مكة حتى يظفر من طيباته بمزيد...!!
وهكذا لا يكاد في اليوم الثاني وربما في نفس اليوم, يلقى امرأتين تطوفان بالصنمين (أساف, واثلة) ودعوانهما, حتى يقف عليهما ويسفه الصنمين تسفيها مهينا.. فتصرخ المرأتان, ويهرول الرجال كالجراد, ثم لا يفتون يضربونه حتى يفقد وعيه..
وحين يفيق يصرخ مرة أخرى بأنه " يشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله". ويدرك الرسول عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد, وقدرته الباهرة على مواجهة الباطل. بيد أن وقته لم يأت بعد, فيعيد عليه أمره بالعودة الى قومه, حتى اذا سمع بظهور الدين عاد وأدلى في مجرى الأحداث دلوه..

**

ويعود أبو ذر الى عشيرته وقومه, فيحدثههم عن النبي الذي ظهر يدعو الى عبادة الله وحده ويهدي لمكارم الأخلاق, ويدخل قومه في الاسلام, واحدا اثر واحد.. ولا يمتفي بقبيلته غفار, بل ينتقل الى قبيلة أسلم فيوقد فيها مصابيحه..!!
وتتابع الأيام رحلتها في موكب الزمن, ويهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة, ويستقر بها والمسلمون معه.
وذات يوم تستقبل مشارفها صفوفا طويلة من المشاة والركبان, أثارت أقدامهم النقع.. ولولا تكبيراتهم الصادعة, لحبسهم الرائي جيشا مغيرا من جيوش الشرك..
اقترب الموكب اللجب.. ودخل المدينة.. ويمم وجهه شطر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومقامه..
لقد كان الموكب قبيلتي غفار وأسلم, جاء بهما ابو ذر مسلمين جميعا رجالا ونساءا. شيوخا وشبابا, وأطفالا..!!
وكان من حق الرسول عليه الصلاة والسلام أن يزداد عجبا ودهشة..
فبالأمس البعيد عجب كثيرا حين رأى أمامه رجلا واحدا من غفار يعلن اسلامه وايمانه, وقال معبّرا عن دهشته:
"ان الله يهدي من يشاء"..!!
أما اليوم فان قبيلة غفار بأجمعها تجيئه مسلمة..وقد قطعت في الاسلام بضع سنين منذ هداها الله على يد أبي ذر, وتجيء معها قبيلة أسلم..
ان عمالقة السطور وحلفاء الشيطان, قد أصبحوا عمالقة في الخير وحلفاء للحق.
أليس الله يهدي من يشاء حقا..؟؟
لقد ألقى الرسول عليه الصلاة والسلام على وجوههم الطيبة نظرات تفيض غبطة وحنانا وودا..
ونظر الى قبيلة غفار وقال:
"غفار غفر الله لها".
ثم الى قبيلة أسلم فقال:
"وأسلم سالمها الله"..
وأبو ذر هذا الداعية الرائع.. القوي الشكيمة, العزيز المنال.. ألا يختصه الرسول عليه الصلاة والسلام بتحية..؟؟
أجل.. ولسوف يكون جزاؤه موفورا, وتحيته مباركة..
ولسوف يحمل صدره, ويحمل تاريخه, أرفع الأوسمة وأكثرها جلالا وعزة..
ولسوف تفنى القرون والأجيال, والناس يرددون رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في أبي ذر:
" ما أقلّت الغبراء, ولا أظلّت الصحراء أصدق لهجة من أبي ذر"..!!
ويدرك الرسول عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد, وقدرته اباهرة على مواجهة الباطل.. بيد أن وقته لم يأت بعد, فيعيد عليه أمره بالعودة الى قومه, حتى اذا سمع بظهور الدين عاد وأدلى في مجرى الأحداث دلّوه..

**

أصدق لهجة في أبي ذر..؟
لقد قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام مستقبل صاحبه, ولخص حياته كلها في هذه الكلمات..
فالصدق الجسور, هو جوهر حياة أبي ذر كلها..
صدق باطمه, وصدق ظاهره..
صدق عقيدته وصدق لهجته..
ولسوف يحيا صادقا.. لا يغالط نفسه, ولا يغالط غيره, ولا يسمح لأحد أن يغالطه..
ولئن يكون صدقه فضيلة خرساء.. فالصدق الصامت ليس صدقا عند أبي ذر..
انما الصدق جهر وعلن.. جهر بالحق وتحد للباطل..تأييد للصواب ودحض للخطأ..
الصدق ولاء رشيد للحق, وتعبير جريء عنه, وسير حثيث معه..

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ببصيرته الثاقبة عبر الغيب القصيّ والمجهول البعيد كل المتاعب التي سيفيئها على أبي ذر صدقه وصلابته, فكان يأمره دائما أن يجعل الأناة والصبر نهجه وسبيله.
وألقى الرسول يوما هذا السؤال:
" يا أبا ذر كيف أنت اذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء"..؟
فأجاب قائلا:
"اذن والذي بعثك بالحق, لأضربن بسيفي".!!
فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام:
"أفلا أدلك على خير من ذلك..؟
اصبر حتى تلقاني".
ترى لماذا سأله الرسول هذا السؤال بالذات..؟؟
الأمراء.. والمال..؟؟

تلك قضية أبي ذر التي سيهبها حياته, وتلك مشكلته مع المجتمع ومع المستقبل..
ولقد عرفها رسول الله فألقى عليه السؤال, ليزوده هذه النصيحة الثمينة:"اصبر حتى تلقاني"..
ولسوف يحفظ أبو 1ر وصية معلمه, فلن يحمل السيف الذي توّد به الأمراء الذين يثرون من مال الأمة.. ولكنه أيضا لن يسكت عنهم لحظة من نهار..
أجل اذا كان الرسول قد نهاه عن حمل السيف في وجوههم, فانه لا ينهاه عن أن يحمل في الحق لسانه البتار..
ولسوف يفعل..

**

ومضى عهد الرسول, ومن بعده عصر أبي بكر, وعصر عمر في تفوق كامل على مغريات الحياة ودواعي الفتنة فيها..
حتى تلك النفوس المشتهية الراغبة, لم تكن تجد لرغباتها سبيلا ولا منفذا.
وأيامئذ, لم تكن ثمة انحرافات يرفع أبو ذر ضدها صوته ويفلحها بكلماته اللاهبة...

ولقد طال عهد أمير المؤمنين عمر, فارضا على ولاة المسلمين وأمرائهم وأغنيائهم في كل مكان من الأرض, زهدا وتقشفا, ودعلا يكاد يكون فوق طاقة البشر..

ان واليا من ولاته في العراق, أو في الشام, أ, في صنعاء.. أو في أي من البلاد النائية البعيدة, لا يكاد يصل اليها نوعا من الحلوى, لا يجد عامة الناس قدرة على شرائه, حتى يكون الخبر قد وصل الى عمر بعد أيام. وحتى تكون أوامره الصارمة قد ذهبت لتستدعي ذلك الوالي الى المدينة ليلقى حسابه العسير..!!
ليهنأ أبو ذر اذن.. وليهنأ أكثر ما دام الفاروق العظيم أميرا للمؤمنين..
وما دام لا يضايق أبا ذر في حياته شيء مثلما يضايقع استغلال السلطة, واحتكارالثروة, فان ابن الخطاب بمراقبته الصارمة للسلطة, وتوزيعه العادل للثروة سيتيح له الطمأنينة والرضا..
وهكذا تفرغ لعبادة ربه, وللجهاد في سبيله.. غير لائذ بالصمت اذا رأى مخالفة هنا, أو هناك.. وقلما كان يرى..

بيد أن أعظم, وأعدل, وأروع حكام البشرية قاطبة يرحل عن الدنيا ذات يوم, تاركا وراءه فراغا هائلا, ومحدثا رحيله من ردود الفعل ما لا مفرّ منه ولا طاقة للناس به. وتستمر القتوح في مدّها, ويعلو معها مد الرغبات والتطلع الى مناعم الحياة وترفها..
ويرى أبو ذر الخطر..

ان ألوية المجد الشخصي توشك أن تفتن الذين كل دورهم في الحياة أن يرفعوا راية الله..
ان الدنيا بزخرفها وغرورها الضاري, توشك أن تفتن الذين كل رسالتهم أن يجعلوا منها مزرعة للأعمال الصالحات..
ان المال الذي جعله الله خادما مطيعا للانسان, يوشك أن يتحوّل الى سيّد مستبد..
ومع من؟
مع أصحاب محمد الذي مات ودرعه مرهونة, في حين كانت أكوام الفيء والغنائم عند قدميه..!!
ان خيرات الأرض التي ذرأها الله للناس جميعا.. وجعل حقهم فيها متكافئا توشك أن اصير حكرا ومزية..
ان السلطة التي هي مسؤولية ترتعد من هول حساب الله عليها أفئدة الأبرار, تتحول الى سبيل للسيطرة, وللثراء, وللترف المدمر الوبيل..
رأى أبو ذر كل هذا فلم يبحث عن واجبه ولا عن مسؤوليته.. بل راح يمد يمينه الى سيفه.. وهز به الهواء فمزقه, ونهض قائما يواجه المجتمع بسيفه الذي لم تعرف له كبوة.. لكن سرعان ما رنّ في فؤاده صدى الوصية التي أوصاه بها الرسول, فأعاد السيف الى غمده, فما ينبغي أن يرفعه في وجه مسلم..
(وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ)
ليس دوره اليوم أن يقتل.. بل أن يعترض..
وليس السيف أداة التغيير والتقويم, بل الكلمة الصادقة, الأمينة المستبسلة..
الكلمة العادلة التي لا تضل طريقها, ولا ترهب عواقبها.

لقد أخبر الرسول يوما وعلى ملأ من أصحابه, أن الأرض لم تقلّ, وأن السماء لم تظلّ أصدق لهجة من أبي ذر..
ومن كان يملك هذا القدر من صدق اللهجة, وصدق الاقتناع, فما حاجته الى السيف..؟
ان كلمة واحدة يقولها, لأمضى من ملء الأرض سيوفا..

فليخرج بصدقه هذا, الى الأمراء.. الى الأغنياء. الى جميع الذين أصبحوا يشكلون بركونهم الى الدنيا خطرا على الدين الذي جاء هاديا, لا جابيا.. ونبوة لا ملكا,.. ورحمة لا عذابا.. وتواضعا لا استعلاء.. وتكافؤ لا تمايز.. وقناعة لا جشعا.. وكفاية لا ترفا.. واتئادا في أخذ الحياة, لا فتونا بها ولا تهالكا عليها..
فليخرج الى هؤلاء جميعا, حتى يحكم الله بينهم وبينه بالحق, وهو خير الحاكمين.

**

وخرج أبو ذر الى معاقل السلطة والثروة, يغزوها بمعارضته معقلا معقلا.. وأصبح في أيام معدودات الراية التي التفت حولها الجماهير والكادحون.. حتى في الأقطار النائية التي لم يره أهلها بعد.. طاره اليها ذكره. وأصبح لا يمر بأرض, بل ولا يبلغ اسمه قوما الا أثار تسؤلات هامّة تهدد مصالح ذوي الشلطة والثراء.
ولو أراد هذا الثائر الجليل أن يتخذ لنفسه ولحركته علما خاصا لما كان الشعار المنقوش على العلم سوى مكواة تتوهج حمرة ولهبا, فقد جعل نشيده وهتافه الذي يردده في كل مكان وزمان.. ويردده الانس عنه كأنه نشيد.. هذه الكلمات:
"بشّر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة"..!!
لا يصغد جبلا, ولا ينزل سهلا, ولا يدخل مدينة, ولا يواجه أميرا الا وهذه الكلمات على لسانه.
ولم يعد الانس يبصرونه قادما الا استقبلوه بهذه الكلمات:
" بشّر الكانزين بمكاو من نار"..
لقد صارت هذه العبارة علما على رسالته التي نذر حياته لها, حين رأى الثروات تتركز وتحتكر.. وحين رأى السلطة استعلاء واستغلال.. وحين رأى حب الدنيا يطغى ويوشك أن يطمر كل ما صنعته سنوات الرسالة العظمى من جمال وورع, وتفان واخلاص..

لقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورهبة.. هناك في الشام حيث "معاوية بن أبي سفيان" يحكم أرضا من أكثر بلاد الاسلام خصوبة وخيرا وفيضا, وانه ليعطي الأموال ويوزعها بغير حساب, يتألف بها الناس الذين لهم حظ ومكانة, ويؤمن بها مستقبله الذي كان يرنو اليه طموحه البعيد.
هناك الضياع والقصور والثروات تفتن الباقية من حملة الجعوة, فليدرك أبو ذر الخطر قبل أن يحيق ويدمّر..
وحسر زعيم المعارضة رداءه المتواضع عن ساقيه, وسابق الريح الى الشام..
ولم يكد الناس العاديون يسمعون بمقدمه حتى استقبلوه في حماسة وشوق, والتفوا حوله أينما ذهب وسار..
حدثنا يا أبا ذر..
حدثنا يا صاحب رسول الله..
ويلقي أبو ذر على الجموع حوله نظرات فاحصة, فيرى أكثرها ذوي حصاصة وفقر.. ثم يرنو ببصره نحو المشارف القريبة فيرى القصور والضياع..
ثم يصرخ في الحافين حوله قائلا:
" عجبت لمن لا يجد القوت في بيته, كيف لا يخرج على الانس شاهرا سيفه"..؟؟!!

ثم يذكر من فوره وصية رسول الله أن يضع الأناة مكان الانقلاب, والكلمة الشجاعة مكان السيف.. فيترك لغة الحرب هذه ويعود الى لغة المنطق والاقناع, فيعلم الناس جميعا أنهم جميعا سواسية كأسنان المشط.. وأنهم جميعا شركاء في الرزق.. وأنه لا فضل لأحد على أحد الا بالتقوى.. وأن أمير القوم ووليهم, هو أول من يجوع اذا جاعوا, وآخر من شبع اذا شبعوا..
لقد قرر أن يخلق بكلماته وشجاعته رأيا عامّا من كل بلاد الاسلام يكون له من الفطنة والمناعة, والقوة ما يجعله شكيمة لأمرائه وأغنيائه, وما يحول دون ظهور طبقات مستغلة للحكم, أو محتكرة للثروة.

وفي أيام قلائل, كانت الشام كلها كخلايا نحل وجدت ملكتها المطاعة.. ولو أعطى أبو ذر اشارة عابرة بالثورة لاشتعلت نارا.. ولكنه كما قلنا, حصر اهتمامه في خلق رأي عام يفرض احترامه, وصارت كلماته حديث المجالس والمساجد والطريق.
ولقد بلغ خطره على الامتيازات الناشئة مداه, يوم ناظر معاوية على ملأ من الناس. ثم أبلغ الشاهد للمناظرة, الغائب عنها. وسارت الرياح بأخبارها..
ولقد وقف أبو ذر أصدق العالمين لهجة, كما وصفه نبيه وأستاذه..
وقف يسائل معاوية في غير خوف ولا مداراة عن ثروته قبل أن يصبح حاكما, وعن ثروته اليوم..!!
وعن البيت الذي كان يسكنه بمكة, وعن قصوره بالشام اليوم..!!
ثم يوجه السؤال للجالسين حوله من الصحابة الذين صحبوا معاوية الى الشام وصار لبعضهم قصور وضياع.
ثم يصيح فيهم جميعا: أفأنت الذين نزل القرآن على الرسول وهو بين ظهرانيهم..؟؟
ويتولى الاجابة عنهم: نعم أنتم الذين نزل فيكم القرآن, وشهدتم مع الرسول المشاهد..
ثم يعود ويسأل: ألا تجدون في كتاب الله هذه الآية:
(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم.. يوم يحمى عليها في نار جهنّم, فتكوى بها جباههم, وجنوبهم, وظهورهم, هذا ما كنزتم لأنفسكم, فذوقوا ما كنتم تكنزون)..؟؟

ويختلام معاوية طريق الحديث قائلا: لقد أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب..
ويصيح أبو ذر: لا بل أنزلت لنا ولهم..
ويتابع أبو ذر القول ناصحا معاوية ومن معه أن يخرجوا كل ما بأيديهم من ضياع وقصور وأموال.. وألا يدّخر أحدهم لنفسه أكثر من حاجات يومه..
وتتناقل المحافل والجموع نبأ هذه المناظرة وأنباء أبي ذر..
ويتعالى نشيد أبي ذر في البيوت والطرقات:
(بشّر الكانزين بمكاو من نار يوم القيامة)..

ويستشعر معاوية الخطر, وتفزعه كلمات الثائر الجليل, ولكنه يعرف له قدره, فلا يقرّ به بسوء, ويكتب عن فوره للخليفة عثمان رضي الله عنه يقول له:" ان أبا ذر قد أفسد الانس بالشام"..
ويكتب عثمان لأبي ذر يستدعيه للمدينة.
ويحسر أبي ذر طرف ردائه عن ساقيه مرّة أخرى ويسافر الى المدينة تاركا الشام في يوم لم تشهد دمشق مثله يوما من أيام الحفاوة والوداع..!!

**

(لا حاجة لي في دنياكم)..!!
هكذا قال أبو ذر للخليفة عثمان بعد أن وصل الى المدسنة, وجرى بينهما حوار طويل.
لقد خرج عثمان من حواره مع صاحبه, ومن الأنباء التي توافدت عليه من كل الأقطار عن مشايعة الجماهير لآراء أبي ذر, بادراك صحيح لخطر دعوته وقوتها, وقرر أن يحتفظ به الى جواره في المدينة, محددا بها اقامته.
ولقد عرض عثمان قراره على أبي ذر عرضا رفيقا, رقيقا, فقال له:" ابق هنا يجانبي, تغدو عليك القاح وتروح"..
وأجابه أبو ذر:
(لا حاجة لي في دنياكم).!

أجل لا حاجة له في دنيا الناس.. انه من أولئك القديسين الذين يبحثون عن ثراء الروح, ويحيون الحياة ليعطوا لا ليأخذوا..!!
ولقد طلب من الخليفة عثمان رضي الله عنه أن يأذن له الخروج الى الرّبذة فأذن له..

ولقد ظل وهو في احتدام معارضته أمينا لله ورسوله, حافظا في اعماق روحه النصيحة التي وجهها اليه الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يحمل السيف.. لكأن الرسول رأى الغيب كله.. غيب أبي ذر ومستقبله, فأهدى اليه هذه النصيحة الغالية.
ومن ثم لم يكن أبو ذر ليخفي انزعاجه حين يرى بعض المولعين بايقاد الفتنة يتخذون من دعوته سببا لاشباع ولعهم وكيدهم.
جاءه يوما وهو في الرّبدة وفد من الكوفة يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد الخليفة, فزجرهم بكلمات حاسمة:
" والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة, أ جبل, لسمعت, وأطعت, وصبرت واحتسبت, ورأيت ذلك خيرا لي.."
" ولوسيّرني ما بين الأفق الى الأفق, لسمعت وأطعت, وصبرت واحتسبت, ورأيت ذلك خيرا لي..
" ولو ردّني الى منزلي, لسمعت وأطعت, وصبرت واحتسبت, ورأيت ذلك خيرا لي"..

ذلك رجل لا يريد غرضا من أغراض الدنيا, ومن ثم أفاء الله عليه نور البصيرة.. ومن ثم مرة أخرى أدرك ما تنطوي عليه الفتنة المسلحة من وبال وخطر فتحاشاها.. كما أدرك ما ينطوي عليه الصمت من وبال وخطر, فتحاشاه أيضا, ورفع صوته لا سيفه بكلمة الحق ولهجة الصدق, لا أطماع تغريه.. ولا عواقب تثنيه..!
لقد تفرّغ أبو ذر للمعارضة الأمينة وتبتّل.

وسيقضي عمره كله يحدّق في أخطاء الحكم وأخطاء المال, فالحكم والمال يملكان من الاغراء والفتنة ما يخافه أبو ذر على اخوانه الذين حملوا راية الاسلام مع رسولهم صلى الله عليه وسلم, والذين يجب أن يظلوا لها حاملين.
والحكم والمال أيضا, هما عصب الحياة للأمة والجماعات, فاذا اعتورهما الضلال تعرضت مصاير الناس للخطر الأكيد.
ولقد كان أبو ذر يتمنى لأصحاب الرسول ألا يلي أحد منهم امارة أو يجمع ثروة, وأن يظلوا كما كانوا روّاد للهدى, وعبّادا لله..
وقد كان يعرف ضراوة الدنيا وضراوة المال, وكان يدرك أن أبا بكر وعمر لن يتكررا.. ولطالما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من اغراء الامارة ويقول عنها:
".. انها أمانة, وانها يوم القيامة خزي وندامة.. الا من أخذها بحقها, وأدّى الذي عليه فيها"...

ولقد بلغ الأمر بأبي ذر لى تجنّب اخوانه ان لم يكن مقاطعتهم,لأنهم ولوا الامارات, وصار لهم بطبيعة الحال ثراء وفرة..
لقيه أبو موسى الأشعري يوما, فلم يكد يراه حتى فتح له ذراعيه وهو يصيح من الفرح بلقائه:" مرحبا أبا ذر.. مرحبا بأخي".
ولكن أبا ذر دفعه عنه وهو يقول:
" لست بأخيك, انما كنت أخاك قبل أن تكون واليا وأميرا"..!
كذلك لقيه أبو هريرة يوما واحتضنه مرحّبا, ولكن أبا ذر نحّاه عنه بيده وقال له:
(اليك عني.. ألست الذي وليت الامارة, فتطاولت في البنيان, واتخذت لك ماشية وزرعا)..؟؟
ومضى أبو هريرة يدافع عن نفسه ويبرئها من تلك الشائعات..
وقد يبدو أبو ذر مبالغا في موقفه من الجكم والثروة..
ولكن لأبي ذر منطقه الذي يشكله صدقه مع نفسه, ومع ايمانه, فأبو ذر يقف بأحلامه وأعماله.. بسلوكه ورؤاه, عند المستوى الذي خلفه لهم رسول الله وصاحباه.. أبو بكر وعمر..

واذا كان البعض يرى في ذلك المستوى مثالية لا يدرك شأوها, فان ابا ذر يراها قدوة ترسم طريق الحياة والعمل, ولا سيما لأولئك الرجال الذين عاصروا الرسول عليه السلام, وصلوا وراءه, وجاهدوا معه, وبايعوه على السمع والطاعة.
كما أنه يدرك بوعيه المضيء, ما للحكم وما للثروة من أثر حاسم في مصاير الناس, ومن ثم فان أي خلل يصيب أمانة الحكم, أو عدالة الثروة, يشكل خطرا يجب دحضه ومعارضته.

**

ولقد عاش أبو ذر ما استطاع حاملا لواء القدوة العظمى للرسول عليه السلام وصاحبيه, أمينا عليها, حارسا لها.. وكان أستاذ في فن التفوق على مغريات الامارة والثروة,...
عرضت عليه الامارة بالعراق فقال:
" لا والله.. لن تميلوا عليّ بدنياكم أبدا"..
ورآه صاحبه يوما يلبس جلبابا قديما فسأله:
أليس لك ثوب غير هذا..؟! لقد رأيت معك منذ أيام ثوبين جديدين..؟
فأجابه أبو ذر: " يا بن أخي.. لقد أعطيتهما من هو أحوج اليهما مني"..
قال له: والله انك لمحتاج اليهما!!
فأجاب أب ذر: "اللهم غفر.. انك لمعظّم للدنيا, ألست ترى عليّ هذه البردة..؟؟ ولي أخرى لصلاة الجمعة, ولي عنزة أحلبها, وأتان أركبها, فأي نعمة أفضل ما نحن فيه"..؟؟

**

وجلس يوما يحدّث ويقول:
[أوصاني خليلي بسبع..
أمرني بحب المساكين والدنو منهم..
وأمرني أن أنظر الى من هو دوني, ولاأنظر الى من هو فوقي..
وأمرني ألا أسأل أحد شيئا..
وأمرني أن أصل الرحم..
وأمرني أن أقول الحق وان كان مرّا..
وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم..
وأمرني أن أكثر من: لا حول ولا قوة الا بالله].

ولقد عاش هذه الوصية, وصاغ حياته وفقها, حتى صار "ضميرا" بين قومه وأمته..

ويقول الامام علي رضي الله عنه:
"لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر"..!!
عاش يناهض استغلال الحكم, واحتكار الثروة..
عاش يدحض الخطأ, ويبني الصواب..
عاش متبتلا لمسؤولية النصح والتحذير..
يمنعونه من الفتوى, فيزداد صوته بها ارتفاعا, ويقول لمانعيه:
" والذي نفسي بيده, لو وضعتم السيف فوق عنقي, ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تحتزوا لأنفذتها"..!!

ويا ليت المسلمين استمعوا يومئذ لقوله ونصحه..
اذن لما ماتت في مهدها تلك الفتن التي تفقم فيما بعد أمرها واستفحل خطرها, وعرّضت تادواة والمجتمع والاسلام لأخطار, ما كان أقساها من أخطار.
والآن يعالج أبو ذر سكرات الموت في الربذة.. المكان الذي اختار الاقامة فيه اثر خلافه مع عثمان رضي الله عنه, فتعالوا بنا اليه نؤد للراحل العظيم تحية الوداع, ونبصر في حياته الباهرة مشهد الختام.
ان هذه السيدة السمراء الضامرة, الجالسة الى جواره تبكي, هي زوجته..
وانه ليسألها: فيم البكاء والموت حق..؟
فتجيبه بأنها تبكي: " لأنك تموت, وليس عندي ثوب يسعك كفنا"..!!
".. لا تبكي, فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول: ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض, تشهده عصابة من المؤمنين..
وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية, ولم يبق منهم غيري .. وهأنذا بالفلاة أموت, فراقبي الطريق,, فستطلع علينا عصابة من المؤمنين, فاني والله ما كذبت ولا كذبت".
وفاضت روحه الى الله..
ولقد صدق..
فهذه القافلة التي تغذ السير في الصحراء, تؤلف جماعة من المؤمنين, وعلى رأسهم عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله.
وان ابن مسعود ليبصر المشهد قبل أن يبلغه.. مشهد جسد ممتد يبدو كأنه جثمان ميّت, والى جواره سيدة وغلام يبكيان..
ويلوي زمام دابته والركب معه صوب المشهد, ولا يكاد يلقي نظرة على الجثمان, حتى تقع عيناه على وجه صاحبه وأخيه في الله والاسلام أبي ذر.
وتفيض عيناه بالدمع, ويقف على جثمانه الطاهر يقول:" صدق رسول الله.. نمشي وحدك, وتموت وحدك, وتبعث وحدك".!
ويجلس ابن مسعود رضي الله عنه لصحبه تفسير تلك العبارة التي نعاه بها:" تمشي وحدك.. وتموت حدك.. وتبعث وحدك"...

**

كان ذلك في غزوة تبوك.. سنة تسع من الهجرة, وقد أمر الرسول عليه السلام بالتهيؤ لملاقاة الروم, الذين شرعوا يكيدون للاسلام ويأتمرون به.
وكانت الأيام التي دعى فيها الناس للجهاد أيام عسر وقيظ..
وكانت الشقة بعيدة.. والعدو مخيفا..
ولقد تقاعس عن الخروج نفر من المسلمين, تعللوا بشتى المعاذير..
وخرج الرسول وصحبه.. وكلما أمعنوا في السير ازدادوا جهدا ومشقة, فجعل الرجل يتخلف, ويقولون يا رسول اللهتخلف فلان, فيقول:
" دعوه.
فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم..
وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه"..!!
وتلفت القوم ذات مرة, فلم يجدوا أبا ذر.. وقالوا للرسول عليه الصلاة والسلام:
لقد تخلف أبو ذر, وأبطأ به بعيره..
وأعاد الرسول مقالته الأولى..
كان بعير أبي ذر قد ضعف تحت وطأة الجوع والظمأ والحر وتعثرت من الاعياء خطاه..
وحاول أبو ذر أن يدفعه للسير الحثيث بكل حيلة وجهد, ولكن الاعياء كان يلقي ثقله على البعير..
ورأى أبو ذر أنه بهذا سيتخلف عن المسلمين وينقطع دونهم الأثر, فنزل من فوق ظهر البعير, وأخذ متاعه وحمله على ظهره ومضى ماشيا على قدميه, مهرولا, وسط صحراء ملتهبة, كما يدرك رسوله عليه السلام وصحبه..

وفي الغداة, وقد وضع المسلمون رحالهم ليستريحوا, بصر أحدهم فرأى سحابة من النقع والغبار تخفي وراءها شبح رجل يغذ السير..
وقال الذي رأى: يا رسول الله, هذا رجل يمشي على الطريق وحده..
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام:
(كن أبا ذر)..

وعادوا لما كانوا فيه من حديث, ريثما يقطع القادم المسافة التي تفصله عنهم, وعندها يعرفون من هو..

وأخذ المسافر الجليل يقترب منهم رويدا.. يقتلع خطاه من الرمل المتلظي اقتلاعا, وحمله فوق ظهره بتؤدة.. ولكنه مغتبط فرحان لأنه أردك القافلة المباركة, ولم يتخلف عن رسول الله واخوانه المجاهدين..
وحين بلغ أول القافلة, صاح صائهحم: يار سول الله: انه والله أبا ذر..
وسار أبو ذر صوب الرسول.
ولم يكد صلى الله عليه وسلم يراه حتى تألقت على وجهه ابتسامة حانية واسية, وقال:
[يرحم الله أبا ذر..
يمشي وحده..
ويموت وحده..
ويبعث وحده..].

وبعد مضي عشرين عاما على هذا اليوم أو تزيد, مات أبو ذر وحيدا, في فلاة الربذة.. بعد أن سار حياته كلها وحيدا على طريق لم يتألق فوقه سواه.. ولقد بعث في التاريخ وحيدا في عظمة زهده, وبطولة صموده..

ولسوف يبعث عند الله وحيدا كذلك؛ لأن زحام فضائله المتعددة, لن يترك بجانبه مكانا لأحد سواه..!!!

ابو تمام

01
مارس
2008
assassin — @ 11:18

أبو تمام

حبيب بن أوس الطائي ولد في قرية جاسم قرب دمشق عام 188هـ على أرجح الأقوال.(قيل: عام 172هـ، وقيل: 182هـ، وقيل: 192هـ).

وقد اختلف مؤرخو الأدب في أصله، فقيل: إن والده نصراني أو رومي اسمه تدوس (أو تيودوس). وأنه قد اتصل بأسرة عتيبة بن عبد الكريم الطائي في حمص وانتسب إليها بالولاء، وحرف اسم والده إلى أوس.

والراجح أنه عربي أصيل من قبيلة طيء، وفي شعره فخر كثير بقبيلة طيء ومدح لعدد كبير من زعمائها.

وقد لقب بأبي تمام إما لما فيه من تمتمة يسيره في النطق، وإما لأن له ابناً يسمى تماماً.
وقد انتقل منذ صباه إلى دمشق وعمل في الحياكة، ثم انتقل إلى مصر عام 208هـ وكان يسقى الماء في جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه، ويستمع إلى حلقات العلم في المسجد

وقد نبغ في الشعر مبكراً، فكان ذلك مدعاة لأن يكثر من التنقل والأسفار لمدح الخلفاء والأمراء والقادة، وكان كثير الطموح شديد الإِعجاب بنفسه، فغادر مصر إلى دمشق عام 214، ومدح الخليفة المأمون عندما مر بها.

ولكن نجمه أخذ يعلو في عهد الخليفة المعتصم، إذ أصبح أكبر شعرائه، وقد استدعاه إلى بغداد، ثم انتقل معه إلى سامراء. واتصل كذلك بعبد الله بن طاهر في خراسان، ومدح القادة الكبار في الدولة العباسية كأبي دلف العجلي، وأبي سعيد محمد بن يوسف الثغري، والحسن بن وهب. وشارك المعتصم في غزوة عمورية الشهيرة عام223 هـ، وقال فيها ملحمته الخالدة:

السيف أَصدق أنباءً من الكتب في حَدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ

وفي آخر أيامه تولى بريد الموصل، وتوفي بها عام 231هـ

وقد كان واسع الثقافة سريع البديهة، وقد ذكرت كتب الأدب قصة تدل على سرعة بديهته، فقد مدح أحمد بن الخليفة المعتصم بقصيدة مطلعها:

ما في وقوفك ساعة من بَاسِ تَقْضي ذِمـامَ الأرْبُع الأَدْارَسِ

فلما وصل إلى قوله:

إقدامُ عمرو في سماحة حاتمٍ في حلم أَحْنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

ابن سينا

01
مارس
2008
assassin — @ 11:17

ابن سينا (370-428هـ)
هو أبو علي الحسين بن عبدالله بن سينا ، ألف ما يقارب مائتين و خمسين مؤلفاً بين كتاب و رسالة و مقالة في كل من الرياضيات و المنطق و الأخلاق و الطبيعيات و الطب و الفلسفة .
و أهم انجازات ابن سينا في الطبيعيات هو في مجال الميكانيكا حيث بين ابن سينا أنواع القوى ، و عناصر الحركة و مقاومة الوسط المنفوذ فيه ، تلك المقاومة التي تعمل في افناء الحركة .
أنواع القوى المؤثرة على الجسم :
كما يقسم ابن سينا القوى إلى ثلاثة أنواع فبين ان هناك قوى طبيعية تعيد الأجسام إلى حالتها الطبيعية إن هي أبعدت عنها سماها بالقوى الطبيعية و هي التي نعرفها اليوم بقوة التثاقل أو الجاذبية الأرضية و القوة الثانية و هي القوة القسرية التي تجبر الجسم على التحرك أو السكون
و القوة الثالثة هي القوة الكامنة في الفلك العلوي و هي تحرك الجسم بإرادة متجهة حسب قوله .
عناصر الحركة :
كما يعرض ابن سينا في كتابه (الشفاء) إلى أمور ستة تتعلق بالحركة هي المتحرك و المحرك و ما فيه و ما منه و ما إليه و الزمان .
القانون الأول للحركة :
ذكر ابن سينا في كتابه الإشارات و التنبيهات بلفظه ( انك تعلم أن الجسم إذا خلى و طباعه ، و لم يتعرض له من خارج تأثير غريب ، لم يكن له بد من موضع معين و شكل معين ، اذن في طباعة مبدأ استيجاب ذلك )
كما يقول في حركة الجسم المقذوف ( إذا حققنا القول ، وجدنا أصح المذاهب مذهب من يرى أن المتحرك يستفيد ميلاً من المحرك ، و الميل هو ما يحس بالحس إذا ما حوول أن يسكن الطبيعي بالقسر ، أو القسري بالقسر )
أي أن الجسم في حالة تحركه يكون له ميل للاستمرار في حركته بحيث إذا حاولنا ايقافه أحسسنا بمدافعة يبديها الجسم للبقاء على حاله من الحركة سواء كانت هذه الحركة طبيعية أو قسرية .
توكد هذه النصوص سبق ابن سينا الىالقانون الأول للحركة قبل ليوناردو دافينشي بأكثر من أربعة قرون و قبل جاليليو جاليلي بأكثر من خمسة قرون و قبل اسحق نيوتن بأكثر من ستة قرون
فهو بحق قانون ابن سينا الأول للحركة .
استحالة الحركة الدائمة : ( الاحتكاك)
فطن الشيخ الرئيس إلى أن معاوقة الوسط الذي الذي يتحرك خلاله الجسم يؤدي إلى إبطال الحركة فيه ثم ذهب إلى القول باستحالة الحركة الدائمة فقال في كتابه الاشارات و التنبيهات ما نصه
( لا يجوز أن يكون في جسم من الجسام قوة طبيعية تحرك ذلك الجسم إلى بلا نهاية ) و هو يسبق بذلك ليوناردو دافينشي الذي ذهب إلى هذا المذهب في عصر النهضة الأوروبية .

لويس فيكتور دي بروي

ولد (Louis Victor de Broglie) لويس فيكتور دي بروي عام 1892 في ديي بفرنسا وتوفي عام 1987 وقد درس التاريخ في البداية وحصل على إجازة فيه عام 1910 ولكنه تحول فيما بعد إلى دراسة الفيزياء بدافع من أخيه الفيزيائي موريس فنال الإجازة عام 1913 وقد حصل على درجة الدكتوراه من جامعة باريس 1924 ومنذ ذلك التاريخ وهو يشغل مناصب في السوربون وفي معهد هنري بوانكريه وفي جامعة باريس وقد تسلم جائزة نوبل عام 1929.
كان عنوان رسالة دي بروي للدكتوراه هو ( بحث في نظرية الكم ) وهي تحتوي على جوهر الأفكار المتعلقة بموجات المادة حيث اقترح فيها أن الإلكترون موجة وجسيم معاً.

العالمة العربية السورية : شادية رفاعي حبال

عالمة عربية من بلاد الشام ذاع صيتها في الأوساط العلمية في الغرب حتى كاد يبلغ محيط الشمس، كيف لا وهي التي أسهمت في تصميم المركبة الفضائية التي ستنطلق عام 2007 إلى أقرب نقطة من الشمس، إنها البروفسور شادية رفاعي حبال؛ أستاذة كرسي فيزياء الفضاء في جامعة ويلز في بريطانيا.

ولدت شادية نعيم رفاعي في سوريا، حيث تلقت التعليم في مدارسها، وبدأت رحلتها العلمية في جامعة دمشق حيث حصلت على درجة البكالوريوس في علوم الفيزياء والرياضيات، ثم التحقت بالجامعة الأمريكية في بيروت لتنال فيها درجة الماجستير في الفيزياء. ولم تكتفِ شادية بكل هذا، فسافرت إلى أمريكا علَّها تروي ظمأها العلمي، فدخلت جامعة سنسناتي (Cincinnati) لتحصل منها على درجة الدكتوراه في الفيزياء.

وفي عام 1978، التحقت شادية بمركز هارفارد سميثسونيان للفيزياء الفلكية (Harvard-Smithsonian Center for Astrophysics)، حيث قامت بتأسيس مجموعة أبحاث عالمية في الفيزياء الشمسية الأرضية، وذلك قبل تعيينها أستاذة كرسي في قسم الفيزياء بجامعة ويلز في أبريستويث.

وتركزت أبحاث الدكتورة شادية على استكشاف مصدر الرياح الشمسية، والتوفيق بين الدراسات النظرية ومجموعة واسعة من عمليات المراقبة التي أجرتها المركبات الفضائية وأجهزة الرصد الأرضية. وقد اعتُبرت أبحاث العالمة العربية حول الرياح الشمسية بمثابة "تفجير قنابل" عند طرحها للمرة الأولى، كما ذكرت مجلة العلوم الأمريكية، إذ أطاحت أبحاث شادية وزملائها بالتصورات التي كانت سائدة عن الرياح الشمسية، فقد أكدت بأن الرياح تأتي من كل مكان في الشمس، وتتوقف سرعتها على الطبيعة المغناطيسية للمواقع المختلفة.
وقد لعبت الأستاذة شادية دوراً رئيساً في الإعداد لرحلة المسبار الشمسي لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، وهو أول مركبة فضائية ستدور فعلياً داخل الهالة الشمسية كما ترأست شادية العديد من الفرق العلمية لرصد كشوف الشمس حول العالم، ومنها منطقة الجزيرة في سوريا.

وقد تقدمت الأستاذة شادية بحوالي 60 ورقة بحث لمجلات التحكيم العلمية، كما شاركت بثلاثين بحثاً آخر في المؤتمرات العلمية، وتعد الأستاذة شادية من الخبراء الدوليين في الشمس والرياح الشمسية، كما إنها عضو في العديد من الجمعيات مثل: الجمعية الفلكية الأمريكية، والجمعية الأمريكية للفيزياء الأرضية، وجمعية الفيزيائيين الأمريكيين، وجمعية النساء العالمات، والجمعية الأوروبية للفيزياء الأرضية، والاتحاد الدولي للفلكيين، وتتمتع الدكتورة شادية بدرجة الزمالة في الجمعية الملكية للفلكيين.

وتشير مسيرة حياة شادية العلمية والعائلية إلى القدرة الكبيرة التي تميز النساء العالمات في العالم العربي، فقد جمعت شادية بين واجباتها الأسرية من رعاية أطفالها والقيام بحق الزوجية، وبين التدريس والبحث العلمي وقيادة الفرق العلمية والنشاط الأكاديمي، فهي تذكرنا بأسلافها من العالمات المسلمات اللاتي ذاع صيتهن في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.

ولا تزال الدكتورة رفاعي حبال تشغل منصب أستاذة كرسي في قسم الفيزياء بجامعة ويلز في أبريستويث، إضافة إلى رئاستها للجنة جائزة هالي التابعة لقسم الفيزياء الشمسية في الجمعية الفلكية الأمريكية، وعملها محررة لمجلة فيزياء الفضاء وأبحاث الفيزياء الأرضية. وقد تم تكريمها مؤخراً بمنحها درجة أستاذة زائرة في جامعة العلوم والتقنية في الصين .

تعريف علم الفيزياء و فروعه المختلفة

اشتهر علم الفيزياء بصعوبته بالمقارنة بالعلوم الاخرى ولكن كنوع من التحدي الذي نواجهه في حياتنا فإن النجاح في دراسة الفيزياء له متعة خاصة. فمن حصل على شهادة علمية في احد تخصصات الفيزياء فإنه يكون مرشح للنجاح في العديد من المجالات التي قد يوضع بها فعلم الفيزياء يكسب دارسه العديد من المهارات ومنها على سبيل المثال ليس للحصر:
التمثيل الرياضي لاية مشكل لايجاد الحل المنطقي لها.
اكتساب المهارات الكافية لتصميم التجارب واجراءها،
العمق في ايجاد تفسير لنتائج التجارب.
اكتساب الخبرات في مجال البحث العلمي.

من يدرس الفيزياء ?
هل ترغب في معرفة كيف تعمل الاشياء من حولنا مثل الكمبيوتر والليزر والصواريخ الفضائية؟ وهل ترغب في ايجاد تفسير لما يدور في هذا الكون من ظواهر عديدة مثل الجاذبية والضوء والنجوم والعواصف والاعاصير والزلازل. هل ترغب في الشعور بمتعة الاكتشاف والمشاركة بالمعرفة العالمية واجراء التجارب العلمية واكتشاف نظريتها. اذا كنت مغرم بهذا فإن الفيزياء هي لك...

ما هو علم الفيزياء ?
علم الفيزياء هو القاعدة الاساسية لمختلف العلوم فهو يقدم التفاصيل العميقة لفهم كل شيء بدءاً بالجسيمات الاولية إلى النواة والذرة والجزيئات والخلايا الحية والمواد الصلبة والسائلة والغازات والبلازما (الحالة الرابعة للمادة) والدماغ البشري والانظمة المعقدة والكمبيوترات السريعة والغلاف الجوي والكواكب والنجوم والمجرات والكون نفسه. أي ان الفيزيائيين يختصون بمعرفة اصغر عنصر لهذا الكون وهو الجسيمات الاولية إلى الكون الفسيح مرورا بالتفاصيل التي ذكرناها.

ماذا تقدم الفيزياء لدارسيها ?
معظم العلماء المشهورين مثل اينشتين ونيوتن وماكسويل .... كانوا فيزيائيين. يمكننا ان نقول ان الفيزيائيين هم اكثر العلماء المدربين في عدة مجالات مثل الرياضيات والكمبيوتر بل انهم احيانا يتفوقون على اقارنهم المتخصصين لانهم يتعاملون مع هذه العلوم على اساس تطبيقي كما ان الفيزيائي يمكن ان يكسر الحواجز بين العلوم التطيبقية الاخرى كالكيمياء والبيولوجي والجيولوجيا والهندسة والطب ولا يجد الفيزيائي صعوبة في فهم اي نوع من العلوم المختلفة ولأهمية هذا العلم ظهرت تخصصات تجمع الفيزياء مع العلوم الاخرى مثل الجيوفيزياء والبيوفيزياء. عندما تظهر تطبيقات علمية جديدة او اجهزة متقدمة فإن علم الفيزياء يكون مطلوباً...

هل انت مرشح لدراسة الفيزياء ?
اذا كنت من المولعين بفهم وتعلم كيف تعمل الاشياء وتحب الرياضيات والكمبيوتر واجراء التجارب فإن عليك ان تصبح فيزيائياً. فإن دراسة هذا العلم سوف يشبع رغباتك وستجد في كل موضوعاته ما يزيدك زهوا وفخرا كلما اكتشفت جديد فدراسة الفيزياء مغامرة جدير بالاهتمام. ولا يجب عليك قبل التفكير في دراسة هذا التخصص بفرص العمل المتوفرة لك بعد اتمام الدراسة المهم ان تدرس ما يشبع رغباتك وان تستمتع بما تدرس ودع المستقبل للخالق.
ماذا يمكن ان يعمل متخصص الفيزياء ?
في اي مكان تتواجد فيه التكنولوجيا يجد الفيزيائي عمل له ويكون مفضل عن غيره لما يمتلكه من معلومات عن المبادئ الاساسية والخبرات الذاتية التي تؤهله للتعامل مع التكنولوجيا وتطورها بشكل اسرع. وفي الدول الصناعية المتقدمة لا يمكن ان يوجد فيزيائي عاطل عن العمل. فيمكن للفيزيائي ان يعمل في المجال الطبي حيث ان كل اجهزة التشخيص في المستشفيات يعتمد تشغيلها على الفيزياء مثل استخدام اشعة اكس والنظائر المشعة والرنين المغناطيسي والامواج فوق الصوتية واشعة الليزر والمنظار وغيرها من الاجهزة المستخدمة والتي هي تطبيقات لاكتشافات وابحاث الفيزيائيين ولا يمكن ان يكون هناك علاج بدون تشخيص فكلما تطورت وسائل التشخيص امكن التغلب على امراض كانت قاتلة. كذلك في مجال الاتصالات والاقمار الصناعية الذي يعتمد على تطور احد فروع الفيزياء وهو الالكترونيات. كما وان علم الفيزياء ضرورياً لمراكز الارصاد الجوية ومراكز التنبؤ بالزلازل ومراكز البحوث كما ان للفيزيائي دورا اساسياً في مجال التعليم لاعداد اجيال جديدة لاكمال مشوار التقدم العلمي. وكذلك في التطبيقات الصناعية ومراكز تطوير مواد جديدة ولا شك ان علم الفيزياء وراء تطور اجهزة الكمبيوتر بكافة مكوناته من المعالج إلى الذاكرة إلى الشاشة إلى اقراص الليزر وكلما تقدمت الابحاث الفيزيائية كما انعكس ذلك على تطور اجهزة الكمبيوتر وكفاءتها....
فروع الفيزياء
الفيزياء الكلاسيكية
الميكانيكا
الديناميكا الحرارية
الكهرباء والمغناطيسية
الضوء
الفيزياء الحديثة
النظرية النسبية
الفيزياء الجزيئية
الفيزياء الذرية
ميكانيكا الكم
الفيزياء النووية
فيزياء الحالة الصلبة
علوم فيزياء تطورت بتطور مفاهيم الفيزياء الحديثة :
الليزر
الطاقة الشمسية
الألياف الضوئية
الأغشية الرقيقة
الفيزياء الإشعاعية
البلازما
الجسيمات الأولية
الفلك

ابن بطوطه

01
مارس
2008
assassin — @ 11:17

ابن بطوطة
________________________________________
محمد بن عبدالله اللوتي ، رحالة عربي ولد بطنجة قضي 82عام يجوب الأرض شرقاوغربا فقطع في رحلاتة مسافة لم يقطعها رحالة في العصور الوسطي(قدرت بنحو 120ألف كيلو متر ) كانت رحلتة الأولي بغرض الحج فخرج من طنجة ( عام 231 م ) وسار إلي شمال أفريقيا و مصر وزاربلاد الشام وأدي فريضة الحج،
ثم تنقل في فارس و بلاد العرب وزار شرق أفريقيا ثم زار آسيا الصغري والفرم وحوض الفولجا الأدني ودخل القسطنطينية ، ومنها سار شرقا إلي خوازم و بخاري و تركيا وأفغانستان والهند حيث قضي ثمانية أعوام في خدمة سلطان دلهي الذي أرسلة في سفارة إلي الصين تعرف في طريقة علي جزر المهل ( ملاديف ) وبعض جزرالهند الشرقية ( أندونيسياوالصين ) ، ثم عاد إلي طنجة ( عام 1347م ) قام بعد ذلك برحلتين الأولي إلي الأندلس ( عام 1350م ) ، والأخري إلي السودان الغربي( عام 1352) عاد إلي فارس ( عام 1354م ) فأقام بها حتي وفاتة وفيها أملي وصف رحلاتة المشهورة بإسم : ( تحفه النظار وغرائب الأمطاروعجائب الإستار) وقد ترجمت أجزاء من رحلتة إلي كثير من اللغات

رحلات ابن بطوطة

لا يُذكر اسم أدب الرحلات إلا ويرد بالبال أول ما يرد اسم ابن بطوطة، ولد أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم الطنجي في مدينة طنجة في يوم الإثنين السابع عشر من شهر رجب سنة 703 هجرية الرابع والعشرين من فبراير سنة 1304 ميلادية لأب من أوساط الناس، أما ابن بطوطة فهو الاسم الذي اشتهر به، كان ابن بطوطة مفطورًا على حب الرحلة والسفر والتجوال، بدأ رحلته سنة 725 هجرية قاصدًا الحج وكان في الثانية والعشرين من عمره، يقول د. حسين مؤنس: إن ابن بطوطة كان مُهَيئًا نفسيًّا وجسديًّا للمطلب العسير الذي أراده وأعانه الله عليه فاستمتع بما أراد وأمتعنا معه، ومن لطائف حديثه في رحلته أنه كان يذكر كل شيء حتى الصادع الذي يلم به أو المغص الذي يصيبه أو الرمد الذي يشكوه، فيزيدنا استمتاعًا بقراءته، فنحن مع مُحَدِّث بارع وحديثه كله مفيد، حتى حديثه عن أمراضه وأوجاعه عظيم الفائدة فهو يعطينا فكرة عن الأدوية وأساليب التداوي في أيامه، ويكشف لنا عن حقيقة أكبر وهي أن مستوى العلاج لم يكن منخفضًا كما نظن؛ فقد كان للناس معارف طبية كثيرة جدًّا، وكانت أدويتهم على بساطتها نافعة ناجعة، وهذا جانب من جوانب الحضارة الإسلامية عظيم، وإليك نماذج من رحلات ابن بطوطة.

الخروج من طنجة
قال الشيخ أبوعبد الله: كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب الفردعام خمسة وعشرين وسبعمائة معتمدًا حج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول عليه أفضلالصلاة والسلام، منفردًا عن رفيق أنس بصحبته، وركب أكون في جملته؛ لباعث على النفسشديد العزائم، وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازم، فجزمت أمري على هجرالأحباب من الإناث والذكور، وفارقت وطني مفارقة الطيورللوكور، وكان والداي بقيد الحياة فتحملت لبعدهماوصبًا، ولقيت كما لقيا من الفراق نصبًا، وسني يومئذ ثنتان وعشرون سنة.
قال ابن جزي،أخبرني أبو عبد الله بمدينة غرناطة أن مولده بطنجة في يوم الإثنين السابع عشر منرجب الفرد سنة ثلاث وسبعمائة.
وصلنا مدينةالجزائر، وأقمنا بخارجها أيامًا إلى أن قدم الشيخ أبو عبد الله وابن القاضي فتوجهناجميعًا على منبجة إلى جبل الزان، ثم وصلنا إلى مدينة بجاية.
وكان أمير بجايةإذ ذاك أبا عبد الله محمد بن سيد الناس الحاجب، وكان قد توفي من تجار تونس الذينصحبتهم من مليانة محمد بن الحجر الذي تقدم ذكره، وترك ثلاثة آلاف دينار من الذهب،وأوصى بها لرجل من أهل الجزائر يعرف بابن حديدة ليوصلها إلى ورثته، فانتهى خبرهلابن يد الناس المذكور، فانتزعها من يده، وهذا أول ما شاهدته من ظلم عمال الموحدينوولاتهم.
ولما وصلنا إلىبجاية كما ذكرته أصابتني الحمى فأشار عليّ أبو عبد الله الزبيدي بالإقامة فيها حتىيتمكن البرء مني، فأبيت وقلت: إن قضى الله عز وجل بالموت فتكون وفاتي بالطريق، وأناقاصد أرض الحجاز، فقال لي: إما أن عزمت فبع دابتك وثقل المتاع وأنا أعيرك دابةوخباء، وتصحبنا خفيفًا، فإننا نجد السير خوف غارة العرب في الطريق، ففعلت هذاوأعارني ما وعد به جزاه الله خيرًا، وكان ذلك أول ما ظهر لي من الألطاف الإلهية فيتلك الوجهة الحجازية.
وسرنا إلى أنوصلنا مدينةقسنطينةفنزلنا خارجها، وأصابنامطر جود، فاضطررنا إلى الخروج عن الأخبية ليلاً إلى دور هنالك، فلما كان من الغدتلقانا حاكم المدينة، وهو من الشرفاء الفضلاء، يُسمى بأبي الحسن، فنظر إلى ثيابيوقد لوثها المطر فأمر بغسلها في داره، وكان الإحرام منها خَلِقًا فعبث مكانهإحرامًا بعلبكيًّا، وصرَّ في أحد طرفيه دينارين من الذهب، فكان ذلك أول ما يفتح بهعليَّ في وجهتي.
ورحلنا إلى أنوصلنا مدينة بونة، ونزلنا بداخلها، وأقمنا بها أيامًا ثم تركنا بها من كان فيصحبتنا من التجار لأجل الخسوف في الطريق، وتجردنا للسير، وواصلنا الجد، وأصابتنيالحمى، فكنت أشد نفسي بعمامة فوق السرج خوف السقوط بسبب الضعف، ولا يمكنني النزولمن الخوف، إلى أن وصلنا مدينة تونس، فبرز أهلها للقاء الشيخ أبي عبد الله الزبيدي،ولقاء أبي عبد الله النفزاوي، فأقبل بعضهم على بعض بالسلام والسؤال، ولم يسلم عليّأحد لعدم معرفتي بهم، فوجدت من ذلك في النفس ما لم أملك معه سوابق العبرة، واشتدبكائي فشعر بحالي بعض الحجاج، فأقبل عليَّ بالسلام والإيناس، وما زال يؤنسني بحديثهحتى دخلت المدينة ونزلت منها بمدرسة الكتبيين.
قال ابن جزي:أخبرني شيخي قاضي الجماعة أخطب الخطباء أبو البركات محمد بن إبراهيم السلمي، هو ابنالحاج البلفيقي: أنه جرى له مثل هذه الحكاية قال: قصدت مدينة بلش من بلاد الأندلسفي ليلة عيد برسم رواية الحديثة المسلسل البعيد عن أبي عبد الله بن الكماد، وحضرتالمصلى مع الناس، فلما فرغت الصلاة والخطبة أقبل الناس بعضهم على بعض بالسلام، وأنافي ناحية لا يسلم عليّ أحد فقصد إليَّ شيخ من أهل المدينة المذكورة وأقبل عليَّبالسلام والإيناس وقال: نظرت إليك رأيتك منتبذًا عن الناس، ولا يسلم عليك أحد،فعرفت أنك غريب، فأحببت إيناسك، جزاه الله خيرًا. ثم وصلنا إلى مدينة قابس، ونزلنابداخلها وأقمنا بها عشرًا لتوالي نزول الأمطار.
ثم خرجنا منمدينة قابس قاصدين طرابلس، وصَحَبَنا في بعض المراحل إليها نحو مائة فارس، أويزيدون، وكان بالركب قوم رماة فهابتهم العرب وتحامت مكانهم، وعصمنا الله منهم،وأظلنا عيد الأضحى في بعض تلك المراحل، وفي الرابع بعده وصلنا إلى مدينة طرابلس،فأمنا بها مدة، وكنت عقدت بصفاقس على بنت لبعض أمناء تونس، فبنيت عليها بطرابلس ثمخرجت من طرابلس أواخر شهر المحرم، من عام تسعة وعشرين وسبعمائة ومعي أهلي وفي صحبتيجماعة من المصامدة، وقد رفعت العلم، وتقدمت عليهم، وأقام الركب في طرابلس خوفًا منالبرد والمطر وتجاوزنا مسلاته ومسراته وقصور سرت، وهنالك أرادت طوائف العرب الإيقاعبنا ثم صرفتهم القدرة، وحالت دون ما راموه من أذيتنا.
ثم توسطناالغابة، وتجاوزناها إلى قصر برصيصا العابد، إلى قبلة سلام وأدركنا هنالك الركبالذين تخلفوا بطرابلس، ووقع بيني وبين صهري مشاجرة أوجبت فراق بنته، وتزوجت بنتًالبعض طلبة فاس، وبنيت بها بقصر الزعافية، وأولمت وليمة حبست لها الركب يومًا،وأطعمتهم.
الوصول إلى الإسكندرية
ثم وصلنا في أولجمادى الأولى إلى مدينة الإسكندرية حرسها الله، وهي الثغر المحروس والقطر المأنوس،العجيبة الشأن الأصيلة البنيان، بها ما شئت من تحسين وتحصين، ومآثر دنيا ودين، كرمتمغانيها ولطفت معانيها وجمعت بين الضخامة والإحكام مبانيها، فهي الفريدة فيتَجَلِّي سناها، والخريدة تجلى في حلاها، الزاهية بجمالها المغرب، الجامعة لمفترقالمحاسن لتوسطها بين المشرق والمغرب، فكل بديعة بها اجتلاؤها، وكل طرفة فإليهاانتهاؤها وقد وصفها الناس فأطنبوا، وصنفوا في عجائبها فأغربوا، وحسب المشرف إلى ذلكما سطره أبو عبيد في كتاب المسالك.
ذكر أبوابها ومرساها
ولمدينةالإسكندرية أربعة أبواب، باب السَّدرة، وإليه يشرع طريق المغرب، وباب رشيد، وبابالبحر، والباب الأخضر، وليس يفتح إلا يوم الجمعة فيخرج الناس منه إلى زيارة القبور،ولها المرسى العظيم الشأن، ولم أَرَ في مراسي الدنيا مثله، إلا ما كان من مرسى كولموقاليقوط ببلاد الهند، ومرسى الكفار بسرادق ببلاد الأتراك، ومرسى الزيتون ببلادالصين وسيقع ذكرها.
ذكر المنار
قصدت المنار فيهذه الوجهة فرأيت أحد جوانبه متهدمًا، وصفته أنه بناء مربع ذاهب في الهواء، وبابهمرتفع على الأرض، وإزاء بابه بناء بقدر ارتفاعه، وضعت بينهما ألواح خشب يعبر عليهاإلى بابه، فإذا أزيلت لم يكن له سبيل، وداخله موضع لجلوس حارس المنار، وداخل المناربيوت كثيرة، وعرض الممر بداخله تسعة أشبار، وعرض الحائط عشرة أشبار، وعرض المنار منكل جهة من جهاته الأربع مائة وأربعون شبرًا، وهو على تل مرتفع ومسافة ما بينه وبينالمدينة فرسخ واحد في بر مستطيل، يحيط به البحر من ثلاث جهات إلى أن يتصل البحربسور البلد، فلا يمكن التوصل إلى المنار في البر إلا من المدينة، وفي هذا البرالمتصل بالمنار مقبرة الإسكندرية.
وقصدت المنار عندعودتي إلى بلاد المغرب عام خمسين وسبعمائة؛ فوجدته قد استولى عليه الخراب بحيث لايمكن دخوله ولا الصعود إلى بابه، وكان الملك الناصر، رحمه الله قد شرع في بناء منارمثله بإزائه فعاقه الموت عن إتمامه.
ذكر أمير علابور استشهاده
وكان أمير علابوربدر الحبشي من عبيد السلطان، وهو من الأبطال الذي تضرب بهم الأمثال، وكان لا يزاليغير على الكفار منفردًا بنفسه فيقتل ويسبي حتى شاع خبره واشتهر أمره وهابه الكفار،كان طويلاً ضخمًا يأكل الشاة عن آخرها في أكلة، وأخبرت أنه كان يشرب نحو رطل ونصفمن السمن بعد غذائه، على عادة الحبشة ببلادهم، وكان له ابن يدانيه في الشجاعة،فاتفق أن أغار مرة في جماعة من عبيده على قرية للكفار، فوقع به الفرس في مطمورةواجتمع عليه أهل القرية فضربه أحدهم بقتارة، والقتارة: حديدة شبه سكة الحرث يدخلالرجل يده فيها فتكسو ذراعه، ويفضل منها مقدار زراعين وضربتها لا تبقي، فقتله بتلكالضربة، وقاتل عبيده أشد القتال فتغلبوا على القرية وقتلوا رجالها وسبوا نساءها ومافيها وأخرجوا الفرس، وتوجه إلى دهلي فخرج عليه الكفار، فقاتلهم حتى قتل، وعاد الفرسإلى أصحابه، فدفعوه إلى أهله، فركب صهر له فقتله الكفار عليه أيضًا.
ثم سافرنا إلىمدينة كاليور، ويقال فيه أيضًا كيالير، وهي مدينة كبيرة لها حصن منيع في رأس شاهقعلى بابه صورة فيل وفيال من الحجارة، وقد مر ذكره في اسم السلطان قطب الدين وأميرهذه المدينة أحمد بن سير خان فاضل كان يكرمني أيام إقامتي عنده قبل هذهالسفرة.
ودخلت عليه يومًاوهو يريد توسيط رجل من الكفار، فقلت له: بالله لا تفعل ذلك فإني ما رأيت أحدًا قطيقتل بمحضري فأمر بسجنه، وكان ذلك سبب خلاصه.
ثم رحلنا منمدينة كاليور إلى مدينة برون، مدينة صغيرة للمسلمين بين بلاد الكفار أميرها محمد بنبيرن التركي الأصل، والسباع بها كثيرة، وذكر لي بعض أهلها أن السبع كان يدخل إليهاليلاً وأبوابها مغلقة، فيفترس الناس حتى قتل من أهلها كثيرًا، وكانوا يعجبون في شأندخوله.
وأخبرني محمدالتوفيري من أهلها، وكان جارًا لي بها، أنه دخل داره ليلاً وافترس صبيًّا من فوقالسرير، وأخبرني غيره أنه كان مع جماعة في دار عرس، فخرج أحدهم لحاجة، فافترسه فخرجأصحابه في طلبه، فوجدوه مطروحًا بالسوق وقد شرب دمه ولم يأكل لحمه، وذكروا أنه كذلكفعل بالناس.
ومن العجب أن بعضالناس أخبرني أن الذي يفعل ذلك ليس بسبع، وإنما هو آدمي من السحرة المعروفينبالجوكية يتصور في صورة سبع، ولما أخبرت بذلك أنكرته، وأخبرني به جماعة ولنذكربعضًا من أخبار هؤلاء السحرة.
ذكر السحر الجوكية
وهؤلاء الطائفة تظهر منهم عجائب منها: أن أحدهم يقيم الأشهر لا يأكل ولا يشرب، وكثير منهم تحفر له تحت الأرض وتبنى عليه، فلا يترك له إلا موضع يدخل منه الهواء، ويقيم بها الشهور، وسمعت أن بعضهم يقيم كذلك سنة.
ورأيت بمدينةمنجور رجلاً من المسلمين ممن يتعلم منهم قد رفعت له طبلة، وأقام بأعلاها، لا يأكلولا يشرب مدة خمسة وعشرين يومًا، وتركته كذلك فلا أدري كم أقام بعدي.
والناس يذكرونأنهم يركبون حبوبًا يأكلون الحبة منها لأيام، معلومة أو أشهر فلا يحتاج في تلكالمدة إلى طعام أو شراب، ويخبرون بأمور مغيبة، والسلطان يعظهم ويجالسهم ومنهم منيقتصر في أكله على البقل، ومنهم من لا يأكل اللحم، وهم الأكثرون، والظاهر من حالهمأنهم عودوا أنفسهم الرياضة ولا حاجة لديهم في الدنيا وزينتها، منهم من ينظر إلىالإنسان فيقع ميتًا من نظرته، وتقول العامة: إنه إذا قتل بالنظر وشق عن صدر الميتوجد من دون قلب، ويقولون: أكل قلبه، وأكثر ما يكون هذا في النساء، والمرأة التيتفعل ذلك تسمى كفتار.
حكاية امرأة كفتار
لما وقعت المجاعةالعظمى ببلاد الهند بسبب القحط، والسلطان ببلاد التلنك نَفَّذ أمره أن يعطي لأهلدلهي ما يقوتهم بحساب رطل ونصف للواحد في اليوم؛ فجمعهم الوزير ووزع المساكين منهمعلى الأمراء والقضاة ليتولوا إطعامهم، فكان عندي منهم خمسمائة نفس، فعمرت لهم سقائففي دارين وأسكنتهم بها، وكنت أعطيهم نفقة خمسة أيام في خمسة أيام. فلما كان في بعضالأيام أتوني بامرأة منهم، وقالوا: إنها كفتار وقد أكلت قلب صبي كان إلى جانبهاوأتوا بالصبي ميتًا؛ فأمرتهن أن يذهبوا بها إلى نائب السلطان، فأمر باختبارها، ذلكبأن ملئوا أربع جرات بالماء وربطوها بيديها ورجليها، وطرحوها في نهر الجون، فلمتغرق، فعلم أنها كفتار، ولو لم تَطْفُ على الماء لم تكن كفتار، فأمر بإحراقهابالنار، وأتى أهل البلد رجالاً ونساءً فأخذوا رمادها، وزعموا أنه مَن تبخر به أمنفي تلك السنة من سحر كفتار.
حكاية سحر الجوكية
بعث إليّ السلطانيومًا وأنا عنده بالحضرة فدخلت عليه، وهو في خلوة وعنده بعض خواصه ورجلان من هؤلاءالجوكية وهم يلتحفون بالملاحف، ويغطون رؤوسهم؛ لأنهم ينتفونها بالرماد كما ينتفالناس آباطهم، فأمرني بالجلوس فجلست، قال لهما: إن هذا العزيز من بلاد بعيدة فأرياهما لم يره، فقالا: نعم؛ فتربع أحدهما ثم ارتفع عنالأرض حتى صار في لهناء فوقنامتربعًا، فعجبت منه وأدركني الوهم فسقطت إلى الأرض، فأمر السلطان أن أسقى دواءعنده، فأفقت وقعدت، وهو على حاله متربع، فأخذ صاحبه نعلاً له من شكارة كانت معه،فضرب بها الأرض كالمغتاظ، فصعدت إلى أن علت عنق المتربع، وجعلت تضرب في عنقه، وهوينزل قليلاً حتى جلس معنا، فقال لي السلطان: إن المتربع هو تلميذ صاحب النعل، ثمقال: لولا أني أخاف على عقلك لأمرتهم أن يأتوا بأعظم مما رأيت، فانصرفت عنه وأصابنيالخفقان، ومرضت حتى أمر لي بشربة أذهبت ذلك عني.
ولنَعُد لما كنابسبيله فنقول: سافرنا من مدينة برون إلى منزل أموري ثم إلى منزل كجرا وبه حوض عظيمطوله نحو ميل، وعليه الكنائس فيها الأصنام قد مثل بها المسلمون، وفي وسطه ثلاث قبابمن الحجارة الحمر على ثلاثة طِباق، وعلى أركانه الأربعة أربع قِباب، ويسكن هنالكجماعة من الجوكية وقد لبدوا شعورهم، وطالت حتى صارت في طولهم، وغلبت عليهم صفرةالألوان من الرياضة، وكثير من المسلمين يتبعونهم ليتعلموا منهم، ويذكرون أن من كانتبه عاهة من مرض أو جذام يأوي إليهم مدة طويلة فيبرأ بإذن الله تعالى.
وأول ما رأيت هذهالطائفة بمحلة السلطان طرمشيرين ملك تركستان، وكانوا نحو الخمسين، فحُفِرَ لهم غارتحت الأرض وكانوا مقيمين به لا يخرجون إلا لقضاء حاجة.
ولهم شبه القرنيضربونه أول النهار وآخره وبعد العتمة، وشأنهم كله عجب، ومنهما الرجل الذي صنعللسلطان غياث الدين الدامغاني سلطان بلاد المعبر حبوبًا يأكلها تقوية على الجماع،وكان من أخلاطها برادة الحديد، فأعجبه فعلها، فأكل منه أزيد من مقدار الحاجة، فمات،وولى ابن أخيه ناصر الدين فأكرم هذا الجوكي ورفع قدره.
ثم سافرنا إلىمدينة جنديري، مدينة عظيمة لها أسواق حافلة يسكنها أمير أمراء تلك البلد عز الدينالبنتاني هو المدعو بأعظم ملك، وكان خيِّرًا فاضلاً يجالس أهل العلم، وممن كانيجالسه الفقيه عز الدين الزبيري والفقيه العالم وجيه الدين البياني، نسبة إلى مدينةبيانة التي تقدم ذكرها، والفقيه القاضي المعروف بقاضي خاصة، وإمامهم شمس الدين،وكان النائب عنه على أمور المخزن سمي قمر الدين، ونائبه على أمور العسكر سعادةالتلنكي من كبار الشجعان، وبين يديه تعرض العساكر، وأعظم ملك لا يظهر إلا في يومالجمعة أو في غيرها نادرًا.
ثم سرنا منجنديري إلى مدينة ظهار، وهي مدينة المالوة أكبر عمالة تلك البلاد، وزرعها كثيرخصوصًا القمح، ومن هذه المدينة تُحمل أوراق التنبول إلى دهلي، وبينهما أربعة وعشرونيومًا، وعلى الطريق بينهما أعمدة منقوش عليها عدد الأميال فيما بين كل عمودين، فإذاأراد المسافر أن يعلم عدد ما سار في يومه، وما بقي له إلى المنزل أو إلى المدينةالتي يقصدها قرأ النقش الذي في الأعمدة فعرفه، ومدينة ظهار إقطاع للشيخ إبراهيمالذي من أهل ذيبة المهل.
اليوم أبتدئالقراءة بعد صلاة الصبح فأختم عند الزوال، وأجدد الوضوء وأبتدئ القراءة فأختمالختمة الثانية عند الغروب، ولم أزل كذلك مدة ثلاثة أشهر، واعتكفت فيها أربعين يومًا.

أبن هيثم

01
مارس
2008
assassin — @ 11:17

ابن الهيثم (354-430هـ / 965 -1039م)

الحسن أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم، وهو من أعظم علماء الرياضيات والفيزياء ومؤسس علم البصريات وطبيب وفيلسوف اشتهر في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي. ولد في البصرة عام 354هـ / 965 م وعاش فيها حياته الأولى حيث اهتم بتحصيل العلم، والإلمام بما وصلت إليه الفلسفة والعلوم التعليمية بل والعلوم الطبية أيضا في عصره.
وعندما شب ابن الهيثم اشتغل كموظف في الديوان الحكومي، إلا أنه لم يعكف على مواصلة البحث والدراسة، فكان يقرأ الفلسفة ويشرح ويلخص ويختصر فيها من كتب اليونان ما أحاط فكره بتصوره وصنف في ذلك فروعا كثيرة. كما درس التشريح ولخص من كتب جالينوس في الطب وبلغ في ذلك مكانة عالية ولا سيما في تشريح العين، ولكنه لم يباشرها عملا ولم يتدرب على فنون المداواة والجراحة. وكان في جميع ذلك قد خط منهجا ذكر فيه: " وأنا ما دامت لي الحياة باذل جهدي ومستفرغ قوتي في مثل ذلك متوخيا منه أمورا ثلاثة: أحدها إفادة من يطلب الحق ويؤثره في حياتي وبعد مماتي، والثاني أني جعلت ذلك ارتياضا لي بهذه الأمور في إثبات ما تصوره وأتقنه فكري من تلك العلوم، والثالث أني صيرته ذخيرة وعدة لزمان الشيخوخة وأوان الهرم".
عكف ابن الهيثم على الدراسة والبحث، إلى أن بلغه أن النيل في مصر ينحدر من موضع عال هو في طرف الإقليم المصري، فقال "لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقص". فبلغ الحاكم بأمر الله كلام ابن الهيثم هذه فتشوق إلى رؤيته، فأرسل إليه أموالا وهدايا ورغبه في الحضور إلى مصر، فلبى ابن الهيثم ذلك وترك وظيفته الحكومية على الفور.
سافر ابن الهيثم إلى مصر، فلما بلغها خرج الحاكم بأمر الله للقائه وقابله بقرية على باب القاهرة اسمها الخندق فأكرمه الحاكم وأمر بحسن ضيافته. فأقام ابن الهيثم في الضيافة الملكية بضعة أيام حتى يستريح من عناء السفر، ثم طالبه الحاكم بإنجاز ما وعد به من أمر النيل.
سافر ابن الهيثم ومعه جماعة من الصناع المحترفين لأعمال البناء، وأهل فن العمارة ليستعين بهم على هندسته التي خطرت له. ولما سار إلى الإقليم بطوله ورأى آثار من تقدم من ساكنيه من الأمم الخا لية وهي على غاية من إحكام الصنعة وجودة الهندسة تحقق له أن الذي كان يقصده ليس بممكن فإن من تقدمه في العصور الخالية لم يبعد عن عقولهم علم ما علمه، ولو أمكن لفعلوه فانكسرت همته ووقف خاطره ووصل إلى الموضع المعروف بالجنادل قبل مدينة أسوان وهو موضع مرتفع ينحدر منه ماء النيل فعاينه وباشره واختبره من جانبيه فوجد أمره لا يسير على موافقة مراده وتحقق الخطأ والغلبة عما وعد به وعاد خجلا، واعتذر للحاكم بأمر الله فقبل الحاكم عذره وولاه ديوانا فتولاه رهبة لا رغبة.
تولى ابن الهيثم الوظيفة بالديوان المصري إلى أن تحقق له الغلط في تلك الولاية. وكان الحاكم متقلب المزاج سفاكا للدماء بأضعف سبب، فأعمل ابن الهيثم فكره في أمر يتخلص به فلم يجد طريقا إلى ذلك إلا بالتظاهر بالجنون، فتظاهر بذلك وأشاع خبره حتى بلغ الحاكم، فعين له الحاكم وصيا وحجز على أمواله لمصلحته وجعل بجانبه من يخدمه وقيدوه وتركوه في موضع من منزله.
وظل ابن الهيثم على هذه الحال التعسة إلى أن بلغه وفاة الحاكم وتحقق هو من ذلك، فأظهر العقل وعاد إلى ما كان عليه وخرج من داره واستوطن دارا بالقرب من الجامع الأزهر وأعيد إليه ماله.
وقد عاش ابن الهيثم بقية حياته في القاهرة واشتغل بالتأليف والنسخ، ولكنه لم يكن في سعة من العيش، فقد كان يرتزق من نسخ كتابين أو ثلاثة كتب رياضية، منها كتاب الأصول لإقليدس في الهندسة ، وكتاب المجسطي لبطليموس في الفلك . فكان ينسخها كل عام فيأتيه من أقاصي البلاد من يشتريها منه بثمن معلوم، لا مساومة فيه ولا معاودة، فيبيعها ويجعلها مئونة حياته طول سنته.
عرف ابن الهيثم بغزارة إنتاجه العلمي، وبلغت شهرته آفاق العالم الإسلامي في ذلك الوقت، وكانت شهرته لا كعالم رياضي فحسب بل كمهندس له في الفنون الهندسية آراء. كما طرق الفلسفة والمنطق والطب والفلك واستحدث فيها آراء جديدة من الفكر العلمي توجها بعلم البصريات.
ولعل أهم ما يشتهر به ابن الهيثم إنجازاته في البصريات هو أنه أول من وصف أجزاء العين وعملية الرؤية فيها بشكل دقيق وسليم علميا وأبطل الرأي الإغريقي السائد آنذاك بأن الرؤية تتم بخروج شعاع من العين وسقوطه على الأشياء التي تتم رؤيتها، وكان وراء هذا الرأي بطليموس وإقليدس. فبين ابن الهيثم أن المنشور الضوئي يمر من الأشياء إلى العين خلال القرنية وفتحة القزحية وأجزاء العين الأخرى ليصل إلى الشبكية. كما درس نفاذ الضوء من الأوساط المختلفة فاكتشف قوانين انكسار الضوء وانعكاسه، والعلاقة بين زاوية سقوط الضوء وانكساره، وصاحب أول التجارب العلمية على تحلل الضوء إلى ألوانه المعروفة بألوان الطيف . وناقش من الموضوعات طبيعة الضوء، و قوس قزح ، والظلال و الخسوف . كما درس المرايا بأنواعها الكروية والمكافئة والانحراف الكروي. وقدم في دراسته ما عرف في الغرب باسم مسألة الهازن والتي تقوم على معادلات رياضية من الدرجة الرابعة. وفي مجال الطبيعيات بحث ابن الهيثم نظريات التجاذب بين الكتل، وتسارع الأجسام الساقطة بفعل الجاذبية . وفي الميكانيكا أشار ابن الهيثم إلى القانون الأول للحركة القائل بأن الجسم يظل على حالته ما لم تؤثر عليه قوة خارجية توقفه أو تغير اتجاهه.
ترك ابن الهيثم مؤلفات عديدة في شتى المجالات. أما أهم مؤلفاته فهي في مجال الرياضيات والفلك والبصريات والطب والتشريح. من أشهرها كتاب المناظر الذي يتضمن آراء مبتكرة جريئة في علم الضوء، وهو في سبعة أجزاء. وهو من أهم كتبه على الإطلاق. ورسالة مصادرات أوقليدس ، ورسالة حل شكوك أوقليدس ، ورسالة مساحة المجسم المكافئ العدد والمجسم ، ورسالة مقدمة ضلع المسبع ، ورسالة تربيع الدائرة، ورسالة استخراج أضلع المكعب ، ورسالة علل الحساب الهندي ، ورسالة التحليل والتركيب ، ورسالة حساب الخطأين. وكتاب الشكوك على بطليموس ، ومقالة المراية المحرقة بالدوائر ، ومقالة المراية المحرقة بالقطوع ، ومقالة الكرة المحرقة ، ومقالة كيفية الأظلال، ومقالة عمل البنكام. كما ألف في الطب كتابين أحدهما في تقويم الصناعة الطبية ضمنه ثلاثين كتابا قرأها لجالينوس، ورسالة في تشريح العين وكيفية الإبصار .

ويليام شكسبير

01
مارس
2008
assassin — @ 11:16

William Shakespeare
born April 26, 1564, Stratford-upon-Avon, Warwickshire, England
died April 23, 1616, Stratford-upon-Avon

William Shakespeare, detail of an oil painting attributed to John …
Courtesy of The National Portrait Gallery, London
Shakespeare also spelled Shakespeare, byname Bard of Avon or Swan of Avon English poet, dramatist, and actor, often called the English national poet and considered by many to be the greatest dramatist Shakespeare occupies a position unique in world literature.

Shakespeare the man > Life
Although the amount of factual knowledge available about Shakespeare is surprisingly large for one of his station in life, many find it a little disappointing, for it is mostly gleaned from documents of an official character. Dates of baptisms, marriages, deaths, and burials; wills, conveyances, legal processes, and payments by the court—these are the dusty details.
Shakespeare the man > Life > Early life in Stratford

Birthplace of William Shakespeare, Stratford-upon-Avon, Warwickshire, England.
© Archive Photos/Albert Rose
The parish register of Holy Trinity Church in Stratford-upon-Avon, Warwickshire, shows that he was baptized there on April 26, 1564; his birthday is traditionally celebrated on April 23. His father, John Shakespeare, was a burgess of the borough, who in 1565 was chosen an alderman and in 1568 bailiff (the position corresponding to mayor, before the grant of a further charter to Stratford…
Shakespeare the man > Life > Career in the theatre
The first reference to Shakespeare in the literary world of London comes in 1592, when a fellow dramatist, Robert Greene, declared in a pamphlet written on his deathbed:
There is an upstart crow, beautified with our feathers, that with his Tygers heart wrapt in a Players hide supposes he is as well able to bombast out a blank verse as the best of you; and, being an absolute Johannes…
Shakespeare the man > Life > Private life

William Shakespeare's house, Stratford-upon-Avon, Warwickshire, England.
Bettmann/Corbis

Shakespeare had little contact with officialdom, apart from walking—dressed in the royal livery as a member of the King's Men—at the coronation of King James I in 1604. He continued to look after his financial interests. He bought properties in London and in Stratford. In 1605 he purchased a share (about one-fifth) of the Stratford tithes—a fact that explains why he was eventually…

Shakespeare the man > Early posthumous documentation
Shakespeare's family or friends, however, were not content with a simple gravestone, and, within a few years, a monument was erected on the chancel wall. It seems to have existed by 1623. Its epitaph, written in Latin and inscribed immediately below the bust, attributes to Shakespeare the worldly wisdom of Nestor, the genius of Socrates, and the poetic art of Virgil.
Shakespeare the man > Early posthumous documentation > The tributes of his colleagues
The memory of Shakespeare survived long in theatrical circles, for his plays remained a major part of the repertory of the King's Men until the closing of the theatres in 1642. The greatest of Shakespeare's great contemporaries in the theatre, Ben Jonson, had a good deal to say about him. To William Drummond of Hawthornden in 1619 he said that Shakespeare “wanted art.”
Shakespeare the man > Early posthumous documentation > Anecdotes and documents
Seventeenth-century antiquaries began to collect anecdotes about Shakespeare, but no serious life was written until 1709, when Nicholas Rowe tried to assemble information from all available sources with the aim of producing a connected narrative. There were local traditions at Stratford: witticisms and lampoons of local characters; scandalous stories of drunkenness…
Shakespeare the poet and dramatist > The intellectual background
Shakespeare lived at a time when ideas and social structures established in the Middle Ages still informed human thought and behaviour. Queen Elizabeth I was God's deputy on earth, and lords and commoners had their due places in society under her, with responsibilities up through her to God and down to those of more humble rank. The order of things, however, did not go…

Shakespeare the poet and dramatist > Poetic conventions and dramatic traditions
The Latin comedies of Plautus and Terence were familiar in Elizabethan schools and universities, and English translations or adaptations of them were occasionally performed by students. Seneca's rhetorical and sensational tragedies, too, had been translated and often imitated. But there was also a strong native dramatic tradition deriving from the medieval…
Shakespeare the poet and dramatist > Poetic conventions and dramatic traditions > Changes in language
The English language at this time was changing and extending its range. The poet Edmund Spenser led with the restoration of old words, and schoolmasters, poets, sophisticated courtiers, and travelers all brought further contributions from France, Italy, and the Roman classics, as well as from farther afield.
Shakespeare the poet and dramatist > Poetic conventions and dramatic traditions > Shakespeare's literary debts
Shakespeare's most obvious debt was to Raphael Holinshed, whose Chronicles (the second edition, published in 1587) furnished story material for several plays, including Macbeth and King Lear. In Shakespeare's earlier works other debts stand out clearly: to Plautus for the structure of The Comedy of Errors; to the poet Ovid and to Seneca for rhetoric and incident in Titus…
Shakespeare the poet and dramatist > Theatrical conditions

London theatres (c. 1600).
Encyclopædia Britannica, Inc.
The Globe and its predecessor, the Theatre, were public playhouses run by the Chamberlain's Men, a leading theatre company of which Shakespeare was a member. Almost all classes of citizens, excepting many Puritans and like-minded Reformers, came to them for afternoon entertainment. The players were also summoned to court, to perform before the monarch and assembled…
Shakespeare the poet and dramatist > The chronology of Shakespeare's plays
Despite much scholarly argument, it is often impossible to date a given play precisely. But there is a general consensus, especially for plays written in 1588–1601, in 1605–07, and from 1609 onward. The following list of dates of composition is based on external and internal evidence, on general stylistic and thematic considerations, and on the observation that an output of no more than two…

Shakespeare the poet and dramatist > Publication
Acting companies in London during the Renaissance were perennially in search of new plays. They usually paid on a piecework basis, to freelance writers. Shakespeare was an important exception; as a member of Lord Chamberlain's Men and then the King's Men, he wrote for his company as a sharer in their capitalist enterprise.
The companies were not eager to sell their plays…
Shakespeare's plays and poems > The early plays
Shakespeare arrived in London probably sometime in the late 1580s. He was in his mid-20s. It is not known how he got started in the theatre or for what acting companies he wrote his early plays, which are not easy to date. Indicating a time of apprenticeship, these plays show a more direct debt to London dramatists of the 1580s and to Classical examples than do his later works. He learned…
Shakespeare's plays and poems > The early plays > Titus Andronicus
Titus Andronicus (c. 1589–92) is a case in point. As Shakespeare's first full-length tragedy, it owes much of its theme, structure, and language to Thomas Kyd's The Spanish Tragedy, which was a huge success in the late 1580s. Kyd had hit on the formula of adopting the dramaturgy of Seneca (the younger), the great Stoic philosopher and statesman, to the needs of a burgeoning new London theatre.
Shakespeare's plays and poems > The early plays > The early romantic comedies
Other than Titus Andronicus, Shakespeare did not experiment with formal tragedy in his early years. (Though his English history plays from this period portrayed tragic events, their theme was focused elsewh